أبي حيان الأندلسي

156

البحر المحيط في التفسير

الفاء من الجواب ، لأنه متقدم ، وتقديره : أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ فإنا نطمع ، وحسن الشرط لأنهم لم يتحققوا ما لهم عند اللّه من قبول الإيمان . انتهى . وهذا التخريج على مذهب الكوفيين وأبي زيد والمبرد ، حيث يجيزون تقديم جواب الشرط عليه ، ومذهب جمهور البصريين أن ذلك لا يجوز ، وجواب مثل هذا الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه . وقال الزمخشري : هو من الشرط الذي يجيء به المدلول بأمره المتحقق لصحته ، وهم كانوا متحققين أنهم أول المؤمنين . ونظيره قول العامل لمن يؤخر . جعله إن كنت عملت فوفني حقي ، ومنه قوله تعالى : إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي « 1 » ، مع علمه أنهم لم يخرجوا إلا لذلك . وقال ابن عطية بمعنى : أن طمعهم إنما هو بهذا الشرط . انتهى . ويحتمل أن تكون إن هي المخففة من الثقيلة ، وجاز حذف اللام الفارقة لدلالة الكلام على أنهم مؤمنون ، فلا يحتمل النفي ، والتقدير : إن كنا لأول المؤمنين . وجاء في الحديث : « إن كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحب العسل » ، أي ليحب . وقال الشاعر : ونحن أباة الضيم من آل مالك * وإن مالك كانت كرام المعادن أي : وإن مالك لكانت كرام المعادن ، وأول يعني أول المؤمنين من القبط ، أو أول المؤمنين من حاضري ذلك المجمع . وقال الزمخشري : وكانوا أول جماعة مؤمنين من أهل زمانهم ، وهذا لا يصح لأن بني إسرائيل كانوا مؤمنين قبل إيمان السحرة . وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ، فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ، إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ، وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ ، وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ ، فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ، وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ ، كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ ، فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ، فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ، قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ، وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ ، وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ . تقدم الخلاف في أَسْرِ ، وأنه قرئ بوصل الهمزة وبقطعها في سورة هود . وقرأ اليماني : أن سر ، أمر من سار يسير . أمر اللّه موسى عليه السلام أن يخرج ببني إسرائيل ليلا من مصر إلى تجاه البحر ، وأخبره أنهم سيتبعون . فخرج سحرا ، جاعلا طريق الشام على يساره ، وتوجه نحو

--> ( 1 ) سورة الممتحنة : 60 / 1 .